الأخبار الثانيةتقارير

من نور زهير إلى عدنان الجميلي.. هل ستنجو حيتان الفساد من مقصلة العدالة؟ 

أنباء نت

يبدو أن القضاء العراقي بدأ يتفاعل مع قضية محاربة الفساد والفاسدين ولا سيما قضية استرداد الأموال المسروقة من الدولة العراقية ومنذ عام 2003 وحتى الآن، فقضية وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية، المتهم الموقوف عدنان الجميلي، وشركائه، أخذت تتفاعل بشكل دقيق لا سيما مع زيادة حجم الأموال المستردة والتي بلغت 127 مليار دينار و24 مليون دولار ناهيك عن سبائك ومصوغات ذهبية تزن حوالي 5 كيلوغرامات، بالإضافة إلى عشرات العقارات والمركبات الفارهة.

هذا التفاعل مع هذه القضية والذي أنشغلت به الأوساط السياسية والشعبية، دفع بمجلس القضاء إلى أصدر توضيحاً بشأن سعي المحاكم المختصة بقضايا مكافحة الفساد الإداري والمالي إلى هدفين يقترن  بعضهما ببعض الاول محاسبة من يرتكب جريمة الفساد المالي والإداري والثاني اعادة اموال الدولة. 

وأوضح أن هذا يمكن تحقيقه اما بتخفيف الاجراءات القانونية او العقوبة التي تصدر بحق المتهمين بهذه الجريمة وحسب المتاح دستوريا وقانونيا وهذا النهج بدء تحديدا في قضية ( الامانات الضريبية ). 

وبخصوص هذه التطورات أوضح المحلل السياسي علي فضل الله في مداخلة مع أنباء نت قائلاً إن “موضوعة التسوية التي أطلقت من قبل مجلس القضاء العراقي في موضوعة الفاسدين وطريقة التعامل معهم ومن الطريقة التي من المفترض أن تكون سائدة في كل دول العالم ومن باب إرساء قواعد العدالة والقانون، يجب محاسبة أي فاسد باعتباره مجرم أثر على المال العام”. 

وتابع فضل الله أنه “في النظام السياسي العراقي أن هناك أكثر من نقطة قد تجبر مجلس القضاء ومن باب المناورة ومن باب معالجة الضرر الأكبر أو دفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر يضطر المجلس للذهاب إلى خطوة التسوية والسبب الأول أن النظام السياسي في العراق هو نظام توافقي قائم حقيقة على التوافق ووجود مكونات كثيرة في تشكيل الحكومة العراقية وهذا بحد ذاته قد يكون هو سبب من أسباب تفشي الفساد المالي والإداري في العراق”. 

وبين أن “الجانب الثاني في تفشي الفساد بشكل مرعب في المنظومة الحكومية العراقية وحتى في المجتمع العراقي وللأسف قد يكون سبباً للقضاء اتخاذ هكذا إجراء في موضوعة المناورة لأن حقيقة في حسابات القضاء الأهم هو عودة الأموال وهذا بحد ذاته يعد نقطة إيجابية على الأقل في المرحلة الحالية والنقطة الأهم أنه مجلس القضاء حتى وإن ذهب لهذه النقطة أنا أعتقد لا تعد تبرئة للفاسد مستقبلا من باب أن هناك مبدأ الجريمة لا تسقط بالتقادم”. 

 ونوه إلى أن “الجريمة ستبقى وأن هذه النقطة لا تعد تبرئة أو تزكية للفاسد مستقبلا فقد يحاسب من قبل أي حكومة قادمة لأسباب كثيرة جدا لذلك أقول أن مجلس القضاء تعامل بأسلوب واقع ولم مثالياً لهذه الأسباب ومجلس القضاء حريص في الوقت الحالي على تجاوز الحكومة العراقية مرحلة الأزمة المالية”. 

 ويرى فضل الله أنه “فات مجلس القضاء الأعلى نقطة مهمة جداً أن هذا الموضوع لا ينسحب مستقبلاً على المتهمين الذين يثرون على المال العام بل سيعاقبون بأشد العقوبات في حال تطاول أي شخصية سياسية أو حتى شخصية عامة على المال العام مستقبلا فأنه سيذهب القضاء لفرض أقوى وأقصى العقوبات وهذا أيضا كان من المفترض أن يكون إجراء احترازي لمنع تفشي هذه الحالة ولعدم انتشارها في المجتمع العراقي واحتمال أن تكون هذه الخطوة مبدأ للهروب من العقوبات مستقبلا”. 

ووضع القضاء عدة نقاط أوضح فيها كيف تعامل مع قضية الأمانات الضريبية والمتهم بها نور زهير والتي تمثلت في عقد اتفاق بين رئيس مجلس القضاء ورئيس مجلس الوزراء السابق وبعد الحصول على موافقة القاضي المختص بالتحقيق في تلك القضية على اطلاق سراح المتهم الأساسي فيها المدعو نور زهير بكفالة ضامنة لاعادة تلك الاموال المسحوبة وعلى شكل دفعات مقابل تخفيف العقوبة عنه في حينه وفعلا تم اعادة مبلغ قدره 365 مليار دينار من اصل مجموع المبلغ المترتب بذمة الشركتين  التابعة له القانت والمبدعون وقدره  (1,618,370,882,000) ترليون دينار, 

وهذا الإجراء يبدو أنه سوف يطبق على الذين تم القبض عليهم في الحملة التي اطلقها رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي في مكافحة الفساد ومواجهة الفاسدين. 

وبهذا الشأن تحدث الباحث القانوني علي التميمي لأنباء نت، حيث بدأ حديثه بسؤال “هل تنتهي الجريمة بإعادة المال في القانون العراقي”. 

وأوضح التميمي أن “الساحة القانونية في العراق تشهد حالياً جدلاً واسعاً حول أثر “إعادة الأموال” على مصير المتهمين، ومدى إمكانية أن تكون سبباً لإنهاء الدعوى الجزائية أو الإفراج عنهم. وبين الشائع من مقولة “رجعوا المال وإلا السجن” وبين أنه “بين نصوص القانون، مسافة دقيقة يجب توضيحها.

أولاً: القاعدة العامة – الجريمة لا تسقط برد المال

من المبادئ المستقرة في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 أن الجريمة متى ما وقعت بأركانها المادية والمعنوية فإنها ترتب أثرها القانوني. وإعادة المال تمثل “جبراً للضرر” أو “إزالة لأثر الجريمة”، لكنها لا تمحو وقوعها ابتداءً. فالمتهم يبقى خاضعاً للإجراءات الجزائية، والنيابة العامة ملزمة بتحريك الدعوى إذا كان الفعل يشكل جريمة تمس الحق العام.

وبذلك، فإن إعادة المال وحدها لا تنهي الجريمة ولا تبرئ ذمة المتهم تلقائياً.

ثانياً: أثر إعادة المال يختلف باختلاف نوع الجريمة

القانون العراقي فرق بين طائفتين من الجرائم:

1. جرائم الحق الخاص: كخيانة الأمانة والاحتيال والشيك بدون رصيد. هذه الجرائم تتوقف إقامتها على شكوى المتضرر. ووفقاً للمادة 9 من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971، فإن تنازل المشتكي قبل صدور الحكم يؤدي إلى انقضاء الدعوى الجزائية. وعليه، إذا بادر المتهم إلى إعادة المال وتنازل المشتكي، فإن لقاضي التحقيق أو المحكمة أن تقرر غلق الدعوى والإفراج عن المتهم.

2. جرائم الحق العام: كالاختلاس والرشوة وسرقة المال العام. هذه الجرائم لا تسقط بالتنازل لأنها تمس المصلحة العامة للمجتمع. وإعادة المال فيها لا تنهي الدعوى، لكنها تعد ظرفاً مخففاً تقديرياً تأخذ به المحكمة عند فرض العقوبة، استناداً إلى سلطة القاضي في تقدير الأعذار المخففة وفق المادة 130 من قانون العقوبات.

ثالثاً: إعادة المال في ضوء قانون العفو العام 2025 .

شكل التعديل الثاني لقانون العفو العام رقم 27 لسنة 2016، المنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 4814 بتاريخ 2025/2/17، نقطة تحول مهمة. فقد نص القانون صراحة على شمول المتهمين بجرائم اختلاس المال العام وهدره بالعفو، شريطة تسديد كامل المبلغ المختلس دفعة واحدة.

وأشار إلى أنه “هنا تصبح إعادة المال بالنسبة للمتهم ليست مجرد ظرف مخفف، بل سبباً قانونياً لوقف الإجراءات الجزائية بحقه وانقضاء الدعوى قبل صدور الحكم. وهذا هو الأساس القانوني لما يشاع حالياً من أن “إعادة المال تمنع السجن”.

رابعاً: صلاحيات قاضي التحقيق والإفراج بكفالة. 

تمنح المادة 130 من قانون أصول المحاكمات الجزائية قاضي التحقيق سلطة الإفراج عن المتهم بكفالة إذا كانت الجريمة لا تزيد عقوبتها على ثلاث سنوات. ومن الناحية العملية، فإن مبادرة المتهم إلى إعادة المال تزيل مبررات التوقيف، كخشية الهرب أو التأثير على سير التحقيق. لذا فإن عبارة “رجع المال نطلق سراحك” تجد سندها القانوني في هذه السلطة التقديرية للقضاء.

وختم التميمي حديثه:- 

1. إعادة المال لا تلغي الجريمة: لأن الجريمة واقعة قانونية لا تمحى برد الضرر.

2. قد تنهي الدعوى: إذا كانت الجريمة من جرائم الحق الخاص وتنازل المشتكي بعد استيفاء حقه.

3. تخفف العقوبة وجوباً: في جرائم الحق العام، باعتبارها عذراً مخففاً قضائياً.

4. توقف الإجراءات: بالنسبة للمتهمين بجرائم المال العام المشمولين بقانون العفو 2025، بشرط التسديد الكامل.

وأضاف أن “الشعار المتداول لا يخالف القانون متى ما كان ضمن الأطر الإجرائية المنصوص عليها، ويتحول إلى مساءلة إذا استخدم كوسيلة للمساومة خارج الدعوى الجزائية. فالقانون العراقي وازن بين حق الدولة في استرداد أموالها وبين حق المتهم في محاكمة عادلة، وجعل من إعادة المال طريقاً للإفراج والتخفيف، لا صك براءة مطلق”.

بدوره قال المحلل السياسي عصام حسين في حديث مع أنباء نت، أنه “كان هذا متوقع من القضاء أن يسير بهذا الاتجاه وكتبت بوست عن هذا الموضوع أنه من المحتمل أن تكون هناك تسوية مع المرتبطين بملفات فساد والمسؤولين عن ملفات الفساد لكن هذا الموضوع هو تمهيد لمحاسبة ما يسمى الحيتان الكبيرة التي جاءت بعد عام 2003 وأسست لهذا الأساس أساس الكميشينات أساس الاستيلاء على أموال الدولة من خلال بعض التعاملات التجارية”. 

وتابع أنه “لدينا ملفات كبرى لم تفتح لحد هذه اللحظة مثل ملف تسليح الجيش مثل مزاد العملة مثل ملف النازحين غيرها في وزارة الكهرباء أيضا عقود كبيرة ملايين الدولارات فقط في ملف تسليح الجيش العراقي الفساد وصل إلى 50% مع العلم أن أموال تسليح الجيش وصلت إلى 150 مليار دولار يعني نسبة الفساد فيها 50% لـ 75 مليار دولار”. 

ورأي حسين أن  “إجراءات القضاء هي تمهيد لمحاسبة الحيتان الكبيرة على اعتبار أن هذه الحيتان الكبيرة لها دور سياسي كبير ولديها كتل سياسية والبعض منهم ما يطلق عليهم زعماء لهذا السبب أنه كل هذه الجرائم الاقتصادية حدثت ما قبل العفو أي إنهم مشمولين بالعفو بمعنى أنه على هذه الحتانة الكبيرة أن ترجع هذه الأموال وإذا لا ترجع ستتعامل معها المحاكم العراقية فأعتقد”. 

وأعرب عن اعتقاده بأن “هذا الموضوع بما أنه الموجودين يعني نعتبرها ملفات فساد صغيرة رغم كبرها على اعتبار أن الأموال بالدينار العراقي لكن هناك أموال بالدولار الأمريكي كبيرة جداً وما تصل إلى 100 مليار أو 125 مليار يريد القضاء أن يمهد لهذه الفكرة في محاسبة الحيتان الكبيرة”. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى